السيد كمال الحيدري
157
أصول التفسير والتأويل
غير ذلك ، مع أنّهم نصّوا على أنّ هذه النظريات مبتنية على أُصول موضوعة لا بيّنة ولا مبيّنة . وأمّا المتصوّفة فإنّهم لاشتغالهم بالسير في باطن الخلقة واعتنائهم بشأن الآيات الأنفسية دون عالم الظاهر وآياته الآفاقية ، اقتصروا في بحثهم على التأويل ورفضوا التنزيل ، فاستلزم ذلك اجتراء الناس على التأويل وتلفيق جمل شعرية والاستدلال من كلّ شئ على كلّ شئ ، حتّى آل الأمر إلى تفسير الآيات بحساب الجمل وردّ الكلمات إلى الزبر والبيّنات والحروف النورانية والظلمانية إلى غير ذلك . ومن الواضح أنّ القرآن لم ينزل هدىً للمتصوّفة خاصّة ، ولا أنّ المخاطبين به هم أصحاب علم الأعداد والأوفاق والحروف ، ولا أنّ معارفه مبنيّة على أساس حساب الجمل الذي وضعه أهل التنجيم بعد نقل علم النجوم من اليونانية وغيرها إلى العربية . نعم قد وردت روايات عن النبي صلى الله عليه وآله وأئمّة أهل البيت عليهم السلام كقولهم : « إنّ للقرآن ظهراً وبطناً ولبطنه بطناً إلى سبعة أبطن أو إلى سبعين بطناً » « 1 » لكنّهم عليهم السلام اعتبروا الظهر كما اعتبروا البطن ، واعتنوا بأمر التنزيل كما اعتنوا بشأن التأويل . والذي يقضى به في ذلك الكتاب والسنّة هو أنّ القول بأنّ تحت ظواهر الشريعة حقائق هي باطنها حقّ ، والقول بأنّ للإنسان طريقاً إلى نيلها حقّ ، ولكن الطريق إنّما هو استعمال الظواهر الدينية على ما ينبغي من الاستعمال لا غير ، وحاشا أن يكون هناك باطن لا يهدى إليه ظاهر ، والظاهر
--> ( 1 ) بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار ، تأليف : العلم العلّامة الحجّة فخر الأمّة المولى الشيخ محمّد باقر المجلسي ، دار إحياء التراث العربي ، الطبعة الثالثة ، 1983 م : ج 92 ص 91 ، كتاب القرآن ، باب أنّ للقرآن ظهراً وبطناً ، الباب 18 ، الحديث : 37 .